محمد أبو زهرة

1311

زهرة التفاسير

ولكنها ليست التوبة التي تقبل ، ونص على قبولها في قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ . . . ( 25 ) [ الشورى ] وعدم قبول توبتهم هذه لأنها بظاهر من القول ، أو لأنها فلتات نفسية تحدث أحيانا في حال كرب أو شدة ، ثم يعودون لما كانوا عليه كما قال تعالى : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 22 ) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ . . . ( 23 ) [ يونس ] . أو تكون التوبة في آخر رمق في الحياة كتوبة فرعون وقد أدركه الغرق ، فقد حكى اللّه تعالى ذلك عنه إذ يقول : حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 91 ) [ يونس ] . فإن هذه التوبة لا تقبل ؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى يقول : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 18 ) [ النساء ] . هذا هو الفرض الأول في تخريج الآية الكريمة ، وهو عدم قبول التوبة إن وقعت ، والفرض الثاني أن نقول إن النفي المؤكد منصب على عدم وقوع التوبة ، بله على عدم قبولها ، فالمعنى لن تقبل توبتهم ، لأنه لا توجد لهم توبة قد استوفت شروط القبول ، ومؤدى الفرضين واحد ، لأنه على تسليم وجود توبة في الفرض الأول يجب أن نقرر أنها كلها توبة ، وقد أكد سبحانه النفي بكلمة ( لن ) التي تدل على تأكيد النفي ، كما أكده ببيان استمرار ضلالهم فقال سبحانه : وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ : وفي هذه الجملة السامية أكد سبحانه ضلالهم بثلاثة أمور : أولها الجملة الاسمية ، وثانيها ضمير الفصل الذي يدل على تأكيد النسبة بين المسند والمسند